أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار نسوية / السياسة والقيادة / مشيرة خطاب.. نحو رئاسة عربية لليونسكو

مشيرة خطاب.. نحو رئاسة عربية لليونسكو

31df74bf8c

 

على الرغم من وصول العرب للمنصب الأرفع دوليا بتولى المصرى الدكتور بطرس غالى، منصب الأمين العام للأمم المتحدة فى العام 1992، فقد ظل الوصول لرئاسة اليونسكو حلما عربيا بعيد المنال رغم تكرار الترشح وتعدد المرشحين.

وعلى مدى 70 عاما هى عمر المنظمة الدولية، تولى رئاستها 10 مديرين من مختلف قارات العالم بما فيها القارة السمراء، مثّلوا 5 من 6 مجموعات جغرافية وثقافية تضم دول العالم تبعا لتقسيم اليونسكو، لتبقى المجموعة العربية وحدها دون تمثيل، إذ لم يجلس أى من أبناء الثقافة العربية الممتدة زمانا ومكانا على كرسى رئاسة المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة.

فى الربع الأخير من العام المقبل، تجرى انتخابات مدير عام منظمة اليونسكو الجديد ليحل محل المديرة الحالية البلغارية إيرينا بوكوفا، التى تنتهى ولايتها في أكتوبر من العام نفسه، وتأمل مصر في الفوز برئاسة المنظمة من خلال مرشحتها الرسمية لشغل المنصب السفيرة مشيرة خطاب.

الدفع بالسفيرة مشيرة خطاب كمرشحة رسمية من قبل الدولة ليس التجربة الأولى لمصر في سبيل الوصول للمنصب الرفيع، فقد سبق لها أن خاضت التجربة ذاتها في العام 2009 حين رشحت رسميا فاروق حسنى، وزير الثقافة في ذلك الوقت، وحقق نتائج طيبة، وكان قاب قوسين أو أدنى من الفوز بالمنصب، إذ حصل على 27 صوتا مقابل 31 صوتا حصلت عليها منافسته بوكوفا، في انتخابات ساخنة قال حسنى حينها إنها تم تسييسها، ووصف ما حدث فى جولتها الخامسة والأخيرة بأنه “لعبة قام بها يهود أمريكا بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية التى دائما ما تتشدق بالديمقراطية والشفافية”، وأضاف “هو خيانة بكل المقاييس تم طبخها في نيوريوك قبل الانتخابات بأسبوع، حيث كان هناك اجتماع للمجموعة الأوروبية”.

فاروق حسنى، الذى خاض معركة كبيرة فى سبيل الفوز برئاسة اليونسكو مستندا إلى حملة قوية أدارتها الدولة المصرية بكفاءة لا بأس بها وبذلت فيها مجهودات ضخمة كادت أن تؤتى أكلها، خسر المنافسة، فى رأى كثيرين، عمدا، ودفع ثمنا باهظا لكلمات تحدث بها فى إحدى جلسات مجلس “الشعب” عام 2008 دفاعا عن وزارته التى اتهمت من قبل بعض النواب بالموافقة على وجود كتب إسرائيلية فى المكتبات المصرية، وقال فى انفعال “مستعد أن أحرق بنفسى أى كتب يهودية قد توجد فى المكتبات المصرية”، وهو التصريح الذى تلقفته الآلة الإعلامية التى يسيطر اللوبى اليهودى على مؤسساتها الكبرى فى العالم، ونفخت فيه النار واتخذت منه ذريعة لإسقاط حسنى بدعوى معاداته للسامية، رغم أنه أبدى أسفه بشتى الطرق وعبر مختلف الوسائل، إبان حملته الانتخابية، إزاء تلك التصريحات التى وصفها بأنها خرجت عن سياقها، ونفى أية ميول معادية للسامية لديه، ولكن دون جدوى.

ترشُّح الوزير فاروق حسنى لرئاسة اليونسكو لم يكن، بدوره، الأول مصريا، فقد سبقه فى عام 1999 الدكتور إسماعيل سراج الدين، الذى كان يشغل منصب نائب رئيس البنك الدولى فى ذلك الوقت، إلا أنه لم يكن ترشيحا رسميا للدولة المصرية التى التزمت بموقف عربى موحد خلف المرشح الرسمى عربيا الدكتور غازى القصيبى، ولكنه كان قرارا شخصيا منه بخوض السباق استنادا إلى ترشيح من دولة بوركينا فاسو، ورغم أن سراج الدين أبلى بلاء حسنا على مستوى الدعاية والترويج لنفسه، وجاب العالم شرقه وغربه مستعينا بثقافته الموسوعية وتمكنه من اللغتين العربية والفرنسية، إلا أنه خرج من السباق خالى الوفاض.

فى المرتين اللتين خاض فيهما المرشحان المصريان فاروق حسنى، وإسماعيل سراج الدين، المنافسة، لم يكونا فقط ينافسان مرشحِين من ثقافات مغايرة، بل كان لكل منهما منافس عربى أو أكثر، فى مفارقة بائسة تكشف غياب التنسيق والتشاور وقصور الرؤية بشأن آليات الوصول لمنصب على هذا المستوى من الأهمية عالميا.

فقد خاض العرب المنافسة على المنصب فى 3 دورات، أولاها كانت عام 1999، التى شهدت ترشح السعودى الدكتور غازى القصيبى، وزير الثقافة فى ذلك الوقت، والمصرى الدكتور إسماعيل سراج الدين، بينما انسحب مرشح عربى ثالث هو اليمنى أحمد الصياد، الذى كان سفير بلاده فى اليونسكو، والتزمت مصر بالقرار العربى بدعم القصيبى رغم وجود المصرى سراج الدين فى السباق الذى فاز فيه فى النهاية اليابانى كوشيرو ماتسورا.

المرة الثانية عربيا كانت تلك التى تنافس فيها المصرى فاروق حسنى بترشيح رسمى من الدولة وتأييد عربى، إلا أن القانونى الدولى والدبلوماسى الجزائرى محمد بجاوى، أبى إلا أن يزاحمه فى السباق نحو المنصب، فخسر الاثنان، وفازت البلغارية بوكوفا، وكانت المحاولة الثالثة لترشح العرب فى انتخابات اليونسكو عام 2013، عندما ترشح رشاد فارح، من جيبوتي، فى مواجهة اللبنانى جوزيف مايلا، ولم يكن صعبا أن تفوز البلغارية إيرينا بوكوفا بولاية ثانية، ومازالت تشغل المنصب حتى الآن، وحتى تنتهى فترة ولايتها الثانية.

تتشابه الانتخابات المقبلة مع سابقاتها من حيث وجود تنافس “عربى عربى” على المنصب، يعكس غياب الإجماع والتنسيق، بل ربما يعكس ملمحا بات وثيق الصلة بالحالة العربية خاصة فى السنوات الأخيرة، وهو التناطح والتنافس البينى، فإلى جانب المرشحة المصرية السفيرة مشيرة خطاب، يسعى للفوز بالمنصب كل من اللبنانى المرشح غير الرسمى لبلده الدكتور غسان سلامة، وزير الثقافة السابق، واللبنانية الأصل السيدة فيرا خورى، وتشغل منصب نائب مندوب دولة سانت لوسيا لدى منظمة اليونسكو منذ 20 عاما كمرشحة رسمية من قبل الحكومة اللبنانية، والقطرى الدكتور حمد الكوارى، المستشار الثقافى لأمير قطر، بينما لم يتأكد ترشح اليمنى أحمد الصياد، الذى عمل نائبا لمدير منظمة اليونسكو على مدى ربع قرن.

يرى مراقبون أن تنافس أكثر من مرشح من منطقة ثقافية وجغرافية واحدة خطأ وخطر يهدد بضياع المنصب من يد العرب، ويؤثر سلبا على مسارات التصويت، وإن كانت سوابق العرب فى مواقف مشابهة قد أثبتت التزاما بالتصويت لمرشح توافقى واحد، مثلما صوتت الجزائر للمصرى فاروق حسنى على حساب الجزائرى محمد بجاوى، وكما سبق ونفضت مصر يدها عن إسماعيل سراج الدين لصالح غازى القصيبى.

يزيد الأمر صعوبة فى الانتخابات المقبلة وجود مرشحة لبنانية، ومرشح قطرى تسعى دولته بشتى الطرق ليتوج بالمنصب، وهى الدولة التى تدفعها حساباتها وطموحاتها وثرواتها المتراكمة لمحاولة فرض إرادتها حتى إن استدعى الأمر الخروج على التوافق العربى فى شأن من الشؤون، خاصة إذا تعلق بمصر، مثلما قادت فى مارس الماضى تحركا داخل جامعة الدول العربية لرفض السفير أحمد أبو الغيط كمرشح لأمانة الجامعة، إلا أن مصر تمسكت باختيارها ليفوز رغم تحفظ الدوحة.

وعلى الرغم من استبسال قطر خلف مرشحها، فإنها تدخل السباق بسجل من الاتهامات باستخدام ثرواتها الطائلة فى دفع الرشاوى لمحاولة التأثير على قرارات مهمة، ولا يزال حصولها على حق تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022 مثار أسئلة واتهامات وفضائح، وفى حين قالت وسائل إعلام غربية إن رئاسة اليونسكو فى دورتها المقبلة يجب أن تكون عربية، فإنها ذكرت صراحة أنها إذا لم تذهب إلى مصر فهذا معناه أن القطريين اشتروها، وهو مفهوم رائج للحد الذى ربما يجعل التصويت للمرشح القطرى من قبل أى دولة أمرا محفوفا بالشبهات.

لحسن الحظ، فإن الإجماع الغائب عربيا حصلت عليه المرشحة المصرية إفريقيًّا، إذ حازت مباركة وتأييد المجموعة الإفريقية، وأعلن وزير الخارجية سامح شكرى، خلال قمة الاتحاد الإفريقى التى عُقدت فى رواندا الشهر الماضى، أنه تم اعتماد الترشيح من قبل لجنة الترشيحات التابعة للاتحاد الإفريقى، والمجلس التنفيذى للاتحاد، وكذلك على مستوى القمة، لتصبح خطّاب، بذلك، المرشحة الرسمية للقارة الإفريقية.

يبقى أن السفيرة مشيرة خطاب، تدرجت فى عدد من المناصب داخل وزارة الخارجية، وشغلت منصب سفير مصر لدى تشيكوسلوفاكيا، وجنوب إفريقيا، وعُينت وزيرة دولة للأسرة والسكان، كما تولت منصب الأمين العام للمجلس القومى للأمومة والطفولة، ولها خبرات واسعة فى العديد من المجالات التى ينشط فيها اليونسكو مثل التعليم، ومحو الأمية، وتطوير المناهج، والحفاظ على البيئة، ومكافحة التمييز، ومنع الإتجار فى البشر.